الفيض الكاشاني
302
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
عن القلب ولو كان للإنسان كلب لا يحبّه لم يغضب إذا ضربه غيره فالغضب تبع للحبّ ، فالرّياضة في هذا قد ينتهي إلى قمع أصل الغضب وهو نادر جدّا وقد ينتهي إلى المنع من استعمال الغضب والعمل بموجبه وهو أهون ، فإن قلت : الضروريّ من القسم الأوّل التألَّم بفوات المحتاج إليه دون الغضب فمن له شاة مثلا وهي قوته فماتت فلا يغضب على أحد وإن كان يحصل فيه كراهة وليس من ضرورة كلّ كراهة غضب فالإنسان يتألَّم بالفصد والحجامة ولا يغضب على الفصّاد والحجّام فمن غلب عليه التوحيد حتّى يرى الأشياء كلَّها من اللَّه فلا يغضب على أحد من خلقه إذ يراهم مسخّرين في قبضة قدرته كالقلم في يد الكاتب ، ومن وقّع عليه ملك بضرب رقبته لم يغضب على القلم ولا يغضب على من يذبح شاته الَّتي هي قوته كما لا يغضب على موتها إذ يرى الموت والذّبح من اللَّه فيندفع الغضب بغلبة التوحيد ويندفع أيضا بحسن الظنّ باللَّه وهو أن يرى أنّ الكلّ من اللَّه وأنّ اللَّه لا يقدّر له إلا بما فيه الخيرة وربما تكون الخيرة في جوعه ومرضه وجرحه وقتله فلا يغضب كما لا يغضب على الفصّاد لأنّه يرى أنّ الخيرة فيه ، فنقول : هذا على هذا الوجه غير محال ولكن غلبة التوحيد على هذا الوجه إنّما يكون كالبرق الخاطف يغلب في أحوال مختلفة ولا يدوم ويرجع القلب إلى الالتفات إلى الوسائط رجوعا طبيعيّا لا يندفع عنه ، ولو تصوّر ذلك على الدّوام لبشر لتصوّر لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وإنّه كان يغضب حتّى تحمرّ وجنتاه ( 1 ) . وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص : « يا رسول اللَّه أكتب عنك كلّ ما قلت في الغضب والرّضا ؟ فقال : اكتب فوالَّذي بعثني بالحقّ ما يخرج منه إلا حقّ - وأشار إلى لسانه - » ( 2 ) فلم يقل : إنّي لا أغضب ولكن قال : إنّ الغضب لا يخرجني عن الحقّ أي لا أعمل بموجب الغضب . وغضبت عائشة مرّة فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « مالك جاءك شيطانك فقالت : ومالك شيطان
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ج 3 ص 11 من حديث جابر بن سمرة . ( 2 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 286 بنحوه حديث عبد اللَّه بن عمر .